الشريف المرتضى

312

الذخيرة في علم الكلام

تعالى لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ « 1 » ، وقوله تعالى لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ « 2 » . والجواب عن ذلك : أنه لو كان لهذه الآيات ظواهر تقتضي بطلان ما ذهبنا إليه من نفي التحابط لوجب أن تحمل على خلاف ظواهرها ، للأدلة العقلية التي لا يحتمل ولا يدخل المجاز . فكيف ولا ظاهر لها إلا وهو إلى أن يشهد بصحة قولنا أقرب ، لأن الاحباط المذكور في جميع الآيات معلّق بالاعمال دون الجزاء عليها ، وخصومنا يذهبون إلى التحابط بين الجزاء على الاعمال . فلا شاهد لهم في شيء منها . وإذا أمكننا تأويل هذه الآيات من غير عدول عن ظواهرها كنا أولى منهم بها . ومعنى قوله تعالى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ أن من استكثر من الحسنات وأدمن على فعلها ، كان ذلك لطفا له في الامتناع من السيئات . وهذا تأويل يوافق الظاهر ، ولا يحتاج معه إلى أن نقول إن جزاء الحسنات يذهبن جزاء السيّئات . وأمّا تأويل الآيات الباقيات فتبيّن بما تقدم ، وهو أن ابطال العمل واحباطه عبارة عن وقوعه على خلاف الوجه المنتفع به ، لأن أحدنا لو جعل لغيره عوضا على نقل تراب أو غيره من موضع إلى موضع معيّن ، لكان إنما يستحق العوض إذا نقله إلى ذلك المكان المعيّن ، ولو نقله إلى غيره لقيل : أحبطت عملك وأبطلته وأفسدته من حيث أوقعت على وجه لا يستحق به نفعا وأعدلت عن الوجه الذي يستحق معه النفع .

--> ( 1 ) سورة الحجرات : 2 . ( 2 ) سورة الزمر : 65 .